لم يعد النقاش حول ​قانون العفو العام​ محصوراً بمن سيخرج من السجن ومن ستسقط عنه الملاحقة. بعد إقراره، يبدأ الامتحان الأصعب: ماذا سيحدث عندما يوضع النص أمام ملفات ​الانهيار المالي​، وأبرزها الملفات المرتبطة بحاكم مصرف ​لبنان​ السابق ​رياض سلامة​؟

هنا تحديداً، ينتقل النقاش من السياسة إلى القضاء، ومن العموميات إلى أسماء وملفات ومواد قانونية. فبعد سنوات من الانهيار الذي حجز أموال اللبنانيين وأدخل البلاد في واحدة من أعنف أزماتها المالية، يطرح قانون العفو سؤالاً بالغ الحساسية: هل حصّن المشرّع فعلاً كل ​الجرائم المالية​ التي يُفترض أن تبقى موضع محاسبة، أم أن بعض الأفعال يمكن أن تجد منفذاً إلى العفو لأنها لم تُستثنَ صراحة؟

السؤال يكتسب ثقلاً إضافياً عندما يتعلق الأمر بملف رياض سلامة. فالقضية ليست في أن القانون ذكر اسم سلامة أو لم يذكره، بل في التوصيف القانوني لكل جرم ملاحق به، والقانون والمادة اللذين تستند إليهما كل ملاحقة.

وهنا يشرح الخبير الدستوري الدكتور ​عادل يمين​ لـ"النشرة" أن "القاعدة هي بالعفو العام والاستثناء ورد بصورة إضافية، وبالتالي ما لم يُستثنَ من الجرائم المالية بصورة صريحة سيكون مشمولاً بالعفو العام".

هذه القاعدة تضع ملفات الجرائم المالية أمام عملية تدقيق دقيقة، جريمةً جريمة ومادةً مادة.

صحيح أن القانون استثنى صراحة الجرائم المشمولة بقانون ​الإثراء غير المشروع​ رقم 189 تاريخ 16/10/2020، والجرائم المنصوص عليها في قانون ​مكافحة تبييض الأموال​ وتمويل الإرهاب رقم 44/2015، إلا أن ذلك لا يعني، بحسب القراءة القانونية التي يقدمها يمين، أن كل الجرائم المالية أصبحت تلقائياً خارج العفو.

وهنا تقع النقطة الأهم. يشدد يمين على أن "الجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف محدودة، وهناك الكثير من الجرائم المالية المنصوص عليها في قانون العقوبات، وهذا هو الأهم والذي لم يُذكر".

سلامة ليس ملفاً واحداً

من هنا، يصبح السؤال "هل سيستفيد رياض سلامة من العفو؟" أكثر تعقيدًا من إجابة بنعم أو لا.

فملفات حاكم مصرف لبنان السابق لا يمكن التعامل معها ككتلة قانونية واحدة. ما ينبغي التدقيق فيه هو طبيعة كل جرم من الجرائم المسندة إليه: هل يستند إلى قانون استثناه العفو صراحة؟ أم إلى نص آخر لم يرد ضمن الاستثناءات؟

وبالتالي، قد لا يكون السؤال القانوني الحقيقي ما إذا كان "رياض سلامة" مستثنى من العفو، بل أي من الجرائم الملاحق بها مستثنى وأي منها ليس كذلك.

وهذا فارق جوهري، لأن قوانين العفو لا تتعامل مع الأشخاص بأسمائهم، وإنما مع الجرائم وشروط شمولها أو استثنائها.

كما يشير يمين إلى جانب آخر من مفاعيل القانون، موضحاً أن "الجرائم التي استثنيت يستفيد مرتكبوها من تخفيض في العقوبات بكل شيء. مثلاً من هو مؤبد يصبح سبعة عشر عامًا، وأي جريمة تُخفَّض عقوبتها بالثلث".

أي أن أثر القانون، وفق هذه القراءة، لا يقتصر على إسقاط الملاحقة في الجرائم المشمولة بالعفو، بل يمكن أن يمتد إلى تخفيض العقوبات في جرائم مستثناة منه.

لكن أين يصبح المودعون من كل ذلك؟

هنا لا تعود القضية قضية رياض سلامة وحده. فاللبناني الذي مُنع لسنوات من التصرف بحرية بوديعته لا يعنيه فقط تحت أي مادة قانونية تجري ملاحقة هذا المسؤول أو ذاك. ما يعنيه هو ما إذا كانت منظومة المحاسبة التي انتظرها منذ الانهيار ستبقى قائمة، وما إذا كانت الأموال والحقوق والمسؤوليات ستصل في النهاية إلى القضاء من دون أن يسبقها العفو.

وهذا تحديداً ما يجعل الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات نقطة شديدة الحساسية.

فإذا كانت قوانين محددة، كالإثراء غير المشروع ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، قد وردت ضمن الاستثناءات، بينما بقيت جرائم مالية أخرى موزعة على نصوص مختلفة، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد معارك قانونية حول توصيف الجرائم نفسها.

وقد يصبح التوصيف مفتاح القضية: الجرم الذي يقع ضمن استثناء صريح يبقى خارج العفو، فيما الجرم الذي لا يجد مكانه بين الاستثناءات يفتح باب النقاش حول شموله.

من سيحسم قضائيًّا

لذلك، من المبكر قانوناً إصدار حكم قاطع بأن رياض سلامة "أُعفي" أو أنه "لن يستفيد" من القانون. الحسم يحتاج إلى وضع كل ملف وكل جرم مسند إليه في مقابل الاستثناءات التي نص عليها القانون.

لكن مجرد طرح هذا السؤال يكشف حجم المشكلة التي ستواجه القضاء في المرحلة المقبلة.

فبعد سنوات من المطالبة بتحديد المسؤوليات عن الانهيار المالي، قد يجد القضاء نفسه أمام معركة جديدة لا تتعلق فقط بإثبات الجرائم، وإنما بما إذا كانت بعض هذه الجرائم بقيت قابلة للملاحقة أساساً بعد صدور قانون العفو.

وهنا يصبح ملف سلامة أول اختبار بالغ الحساسية، لكنه لن يكون الأخير. فالسؤال يمتد إلى كل مسؤول أو موظف أو مصرفي أو شخص ملاحق في جريمة مالية يمكن أن يكون توصيفها القانوني واقعاً خارج قائمة الاستثناءات.

العفو أمام امتحان أموال اللبنانيين

لقد أراد قانون العفو أن يقفل ملفات عالقة، لكنه قد يفتح في المقابل واحدة من أصعب المعارك القانونية في لبنان: أين ينتهي العفو وأين تبدأ ​المحاسبة المالية​؟

وفي حالة رياض سلامة، لن يكون الجواب في الاسم، بل في المواد القانونية التي تقوم عليها كل ملاحقة بحقه. أما بالنسبة إلى المودعين، فالمسألة أبعد من مصير شخص واحد؛ إنها تتعلق بمصير مبدأ كامل انتظروه منذ عام 2019: أن تكون هناك محاسبة عمّا حصل لأموالهم.

ولهذا، قد يكون السؤال الذي سيواجه القضاء قريباً أكثر دقة من "هل يشمل العفو رياض سلامة؟: أي من ملفات رياض سلامة يستطيع قانون العفو أن يقترب منها، وأي منها يبقى محصناً بالملاحقة؟".

والإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مصير حاكم مصرف لبنان السابق، بل ستعطي أول مؤشر جدي إلى ما إذا كان قانون العفو قد أبقى باب المحاسبة المالية مفتوحاً... أم ترك في النص نافذة يمكن أن يخرج منها بعض من يفترض أن يمثلوا أمامها.